سنن السلام واللقاء والمجالسة ( و عددها 15 سنن )
استحباب تكرار السلام ثلاثًا، إن دعت الحاجة لذلك.

كأن يشك في سماع المُسَلَّم عليه حينما سلَّمَ عليه أول مرَّة ؛ فيستحب أن يُكرِّر مرتين , وإن لم يسمع , فثلاثاً , وكذا إذا دخل على جمع كثير , كأن يدخل على مجلس كبير, فيه جمع كثير , فلو سلَّم مرَّة في أول دخوله لم يسمعه إلا من كان أول المجلس , فيحتاج إلى أن يُسلِّم ثلاثاً ؛ من أجل أن يستوعب جميع مَن في المجلس .

ويدلّ عليه : حديث أنس - رضي الله عنه - عنِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - :" أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا ؛ حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ , وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ , سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا " رواه البخاري برقم (95) .

ويؤخذ من حديث أنس - رضي الله عنه - السَّابق , سنيَّة إعادة الكلمة ثلاثاً إذا دعت الحاجة للتكرار , كأن يتكلم ولا تفهم عنه الكلمة , فيُسنُّ أن يكرِّرها , فإن لم تُفهم كرَّرها الثالثة .

 

من السُّنَّة : إلقاء السلام .

والأدلة على السُّنيَّة كثيرة مستفيضة , ومنها: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -  أَنَّ رَسُولَ اللّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ: " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ ", قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ: " إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ , وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ , وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ , وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللّهَ فَشمِّتْهُ, وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ, وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ " رواه مسلم برقم (2162) .

- وأمَّا ردُّه فهو : واجب , ويدل عليه :

قوله تعالى:{وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً}[النساء : 86] ,

والأصل في الأمر الوجوب ما لم يصرفه صارف, ونقل الإجماع على وجوب الرد غير واحد من أهل العلم , منهم : ابن حزم , وابن عبد البر , والشيخ تقي الدين وغيرهم - رحم الله الجميع - , انظر : الآداب الشرعية (1/356) ط . مؤسسة الرسالة.

- وأفضل لفظ بالسَّلام , والردّ , وأكمله , هو: ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فإن هذه أحسن تحية وأكملها .

قال ابن القيم - رحمه الله - : " وكان هديه - أي : النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم - انتهاء السَّلام , إلى : ( وبركاته ) " انظر : زاد المعاد (2/417 ).

وإفشاء السلام ؛ سُنَّة بل سُنَّة مرغَّب بها بفضل عظيم ؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : قال رسول اللّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا, وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَينَكُمْ" رواه مسلم برقم (54).

من السُّنَّة تعميم السلام على من عرفت، ومن لم تعرف.

لحديث عبد الله بن عَمْرٍو - رضي الله عنهما - " أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - : أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " تُطْعِمُ الطَّعَامَ , وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ , وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" رواه البخاري برقم (12) , رواه مسلم برقم (39) .

السُّنَّة أن يكون ابتداء السلام ممن جاءت السُّنَّة بابتدائه.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه – يقول : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - : " يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، والمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ" رواه البخاري برقم (6233) , رواه مسلم برقم (2160), وفي رواية للبخاري : " يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ , وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ , وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ " رواه البخاري برقم (6234) .

ولا يعني مخالفة الأولى بالسَّلام الكراهة , بل لا بأس به , ولكنه خلاف الأولى , كأن يسلم الكبير على الصغير , أو الماشي على الرَّاكب , ونحو ذلك .

من السُّنَّة السلام على الصِّبيان.

لحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -:"أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ" رواه البخاري برقم (6247) , رواه مسلم برقم (2168).

وفي السَّلام على الصبيان: حملٌ للنَّفس على التواضع , وتعويد للصبيان على هذه الشعيرة , وإحياؤها في نفوسهم .

 

من السُّنَّة السَّلام عند دخول البيت.

وهذا يدخل في عموم السَّلام , وذلك بعدما يستاك ؛ لأنَّ السِّواك سُنَّة عند دخول المنزل , وهذا هو الموضع الرابع من مواضع تأكُّد سنيَّة السواك , وهو: عند دخول المنزل ؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - عند مسلم قالت :" أَنَّ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ" رواه مسلم برقم (253), فإذا بدأ بيته بالسِّواك دخل وسلَّم على أهل البيت , حتى أن بعض أهل العلم قال : من السُّنَّة أن تسلِّم إذا دخلت البيت , وأي بيت ولو لم يكن فيه أحد ؛ لقوله تعالى:{فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [النور:61] .

قال ابن حجر - رحمه الله -  : " ويدخل في عموم إفشاء السَّلام على النفس لمن دخل مكاناً ليس فيه أحد ؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ}..." انظر : فتح الباري , حديث (6235) , باب إِفشاءِ السلام .

فائدة : تحصَّل مما سبق أنه يُسَنُّ عند دخول المنزل ثلاث سُنَن :

الأولى : ذكر اسم الله - تعالى -  لاسيما ليلاً .

لحديث جابر بْنِ عبد اللّه - رضي الله عنهما -  أَنَّه سمـع النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: " إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ , وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ , وَالْعَشَاءَ" رواه مسلم برقم (2018) .

الثانية : السِّواك . لحديث عائشة - رضي الله عنها - عند مسلم: " أَنَّ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ" رواه مسلم برقم (253).

الثالثة : السَّلام على أهل البيت .

 

من السُّنَّة خفض الصوت بالسَّلام، إذا دخل على قوم، وفيهم نائمون.

وهكذا كان يفعل النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ,كما في حديث المقداد بن الأسود- رضي الله عنه - ففيه قال :" ... فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ , وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم- نَصِيبَهُ , قَالَ: فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيماً لاَ يُوقِظُ نَائِماً, وَيُسْمِـعُ الْيَقْظَانَ " رواه مسلم برقم (2055) .

من السُّنَّة تبليغ السَّلام .

فتبليغ السَّلام سُنَّة كأن يقول لك شخص :"سلِّم لي على فلان" , فإنَّ من السُّنَّة أن توصِّل هذا السَّلام لصاحبه .

ويدلّ عليه : لحديث عائشة - رضي الله عنها - أَنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لها: " إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ " قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللّهِ" رواه البخاري برقم (3217) , رواه مسلم برقم (2447) .

ففي الحديث إيصال السَّلام لصاحبه ؛كما أوصل النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - سلام جبريل - عليه السلام - على عائشة - رضي الله عنها -  , ويؤخذ من الحديث السَّابق أيضاً سنيَّة بعث السَّلام مع أحد .

 

السَّلام عند دخول المجلس، وعند مفارقته أيضاً.

لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رَسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -:"إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ , فلَيْسَتِ الأولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ " رواه أحمد برقم (9664), وأبو داود برقم (5208) , والترمذي برقم (2706),وصححه الألباني (صحيح الجامع 1/132).

تُسَنُّ المصافحة مع السَّلام عند اللُّقيا.

وعلى هذا عمل الصحابة - رضي الله عنهم - , دلَّ على ذلك : حديث قَتادةَ - رضي الله عنه -  قال: " قُلْتُ لِأَنَسٍ : أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : نَعَمْ " رواه البخاري برقم (6263) .

 

يُسَنُّ التبسّم وطلاقة الوجه عند اللقاء.

لحديث أَبِي ذَرّ - رضي الله عنه -  قال : قال لي النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - :" لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ" رواه مسلم برقم (2626), وعند الترمذي من حديث أبي ذَرّ - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - :" تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ " رواه الترمذي برقم (1956) , وصححه الألباني (الصحيحة 572) .

تُسَنُّ الكلمة الطيبة فهي صدقة.

وسواء كانت عند اللقاء , أو المجالسة , أو في أي حال , فالكلمة الطيبة سُنَّة ؛ لأنها صدقة .

ويدلّ عليه : حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : " وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ " رواه البخاري برقم (2989) , رواه مسلم برقم (1009).

وكثيراً ما يجري على ألسنة الناس كلاماً طيباً , لو احتسبوه لأُجروا على ذلك كثيراً , وأخذوا من هذه الصدقات بحظ وافر.

قال شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله -  : " كلمة طيبة مثل أن تقول له : كيف أنت ؟ كيف حالك ؟ كيف إخوانك ؟

كيف أهلك ؟ وما أشبه ذلك ؛ لأن هذه من الكلمات الطيبة التي تدخل السرور على صاحبك , كل كلمة طيبة فهي صدقة لك عند الله , وأجر , وثواب " انظر : شرح رياض الصالحين لشيخنا ( 2/996 ) باب : استحباب طيب الكلام , وطلاقة الوجه عند اللقاء .

استحباب ذكر الله - تعالى- في المجلس.

والأحاديث في فضائل مجالس الذكر, والحث عليها كثيرة , ومن ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : " إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ , فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا : هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ , قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا..." رواه البخاري برقم (6408) , رواه مسلم برقم (2689) .

يُسَنُّ ختم المجلس بـ : ( كفارة المجلس ).

لحديث أَبي هريرة - رضي الله عنه -  قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : " مَنْ جَلَس في مَجْلِسٍ فَكثُرَ فيهِ لَغَطُهُ  فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ : سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أن لاَ إلَهَ إلاّ أنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلاّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ " رواه الترمذي برقم (3433), وصححه الألباني (صحيح الجامع 2/1065).

مما نُهي عنه في هذا الباب

ومما نُهي عنه في هذا الباب : ابتداء أهل الكتاب بالسلام , مصافحة المرأة الأجنبية , والخلوة بها , لا يؤم الزائر صاحب البيت بالصلاة إلا بإذنه , إقامة الشخص من مجلسه والجلوس فيه , التفريق بين اثنين في المجلس بدون إذنهما , تناجي اثنين دون الثالث , سماع حديث قوم وهم له كارهون , تحديث الشخص بكل ما سمعه من الناس ؛ لأن في كلام الناس ما هو كذب , وترويع المسلم , التكبر في المشي , والتجسس على المسلمين , وآفات اللسان كالكذب, وإضحاك القوم كذباً , وكالغيبة , والنميمة , واللعن , والطعن , والفحش , والجدال المذموم , والخصومة , والحلف بغير الله , وكثرة الحلف بالله – تعالى-  لاسيما في البيع والشراء , والتفاخر والطعن في الأنساب , واحتقار الآخرين, والشماتة بالمسلمين وغيرها من آفات اللسان , وكذلك الحسد , وسوء الظن , والغل , وغيرها من الآفات القلبية ].